لمــــاذا حزب القـــــطــــب ؟

يستلهم حزب القطب أسسه الفكرية من حصيلة الفكر الإنساني التقدمي في بعده الإجتماعي والديمقراطي و من منظومة القيم الإنسانية الكونية  ومن الإرث التاريخي للمدرسة الإصلاحية التونسية المتشبعة بالثقافة التنويرية العربية الإسلامية  ومن رصيد النضال السياسي والإجتماعي والنقابي والنسائي والثقافي الوطني والتقدمي التونسي ومن المثل العليا لثورة 17 ديسمبر– 14 جانفي المتمثلة في الحرية و الكرامة والعدالة الإجتماعية ومن مبدإ التضامن الأممي مع الشعوب المناضلة من أجل تقرير مصيرها وعلى رأسها الشعب الفلسطيني.

يسعى القطب الى ترسيخ نمط الدولة المدنية الديمقراطية ومقومات المجتمع الحديث والمتضامن والمتسامح وتحقيق أهداف الثورة لا سيما مضمونها الإجتماعي وذلك بالمصادقة على عقد كرامة يكتسي الصبغة الدستورية يتم بمقتضاه ضمان أبسط حقوق المواطنة لكل تونسي وتونسية في الشغل والأمن والتعليم والصحة والسكن والثقافة والبيئة السليمة فضلا عن المراجعة الجوهرية لمنوال التنمية وخاصة إعطاء الإقتصاد الإجتماعي والتضامني المكانة التي يستحقها بصفته قطاع مكمل للقطاعين العام والخاص.

 يحمل حزب القطب تصورا مغايرا للعمل السياسي يعتمد على العمل الميداني والتواصل المباشر مع المواطنين من خلال المجالس المواطنية والنسيج الجمعياتي ونبذ اللهث وراء المناصب والكراسي ويؤسس لأساليب تنظيمية عصرية مبنية على العلاقات الأفقية بين مختلف هياكل الحزب والتعايش السليم بين مختلف التيارات والتعبيرات صلبه بعيدا عن الأنماط البيروقراطية التقليدية وهو بهذه الصفة يشكل قوة اقتراح وتنشيط فكري وميداني في البلاد.

و بحكم انتمائه الى العائلة السياسية اليسارية والى الفضاء الفكري والثقافي التقدمي يعمل حزب القطب على بناء سياسة تحالفات مبدئية ومتناسقة ومجدية الهدف منها تأسيس جبهة سياسية تقدمية تواجه الإستقطاب

  السياسي والثقافي الثنائي الحالي من ناحية وتكوين جبهة وطنية ديمقراطية لمواجهة القوى الملتفة على الثورة وذلك خلال

الإستحقاقات الإنتخابية القادمة.

من أجل عقد مؤتمر للإنقاذ الوطني 

قامت الثورة من أجل قيم المواطنة والحداثة : الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية أي من أجل القطع مع منوال التنمية الذي لم تجن منه الطبقات الشعبية والجهات المحرومة سوى التهميش والفقر والبطالة والفساد مقابل استئثار بعض الفئات الدائرة في فلك السلطة بثمرة النمو وعائدات الاستثمارات وكذلك من أجل القطع مع الاستبداد السياسي الذي صادر حرية كل التونسيين والتونسيات بدعوى أولوية التنمية وبناء الدولة الوطنية على مسألة الديمقراطية خلال العقود الأولى من الاستقلال ثم بحجة “مقاومة التيارات الإسلامية و درء خطر الإرهاب” خلال العقدين الأخيرين حيث تمت مقايضة الحرية بالأمن والاستقرار.

توجت المرحلة الأولى من الإنتقال الديمقراطي بانتخابات 23 أكتوبر 2011 التي أفرزت حكومة إئتلافية على قاعدة المحاصصة الحزبية بهيمنة حركة النهضة تحظى بأغلبية آلية داخل المجلس الوطني التأسيسي.

و تميزت المرحلة الثانية باهتراء شرعية الإئتلاف الحاكم  الإنتخابية نتيجة عجزها عن تأمين الإنتقال الديمقراطي السلمي واخراج البلاد من الأزمة الشاملة التي تعيشها حيث بلغ العنف السياسي ذروته في ظلها باغتيال أحد أبرز الوجوه القيادية اليسارية الرفيق الشهيد شكري بلعيد أمين عام حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وأحد مؤسسي وقياديي الجبهة الشعبية وقد شاهدنا خلال فترة حكمها  :

– إلتفاف القوى الرجعية والإنتهازية على الثورة واستحقاقاتها والتمادي في نفس النهج الإقتصادي الليبرالي مع بروز منطق الغنيمة والكسب و تواصل الاحتقان الاجتماعي في عديد الجهات والقطاعات نتيجة غياب برامج جدية لتوفيرالشغل والعيش الكريم والتنمية العادلة لأوسع الجماهير،

– تهميش دور المجلس التأسيسي واستئثار الترويكا بصلاحياته و تراخيه في معالجة الملفات الضرورية للمرحلة الإنتقالية ( القضاء و الإعلام والهيئة العليا للانتخابات والعدالة الانتقالية ) وغيرها من الملفات وخاصة ملف شهداء وجرحى الثورة، فضلا عن الغموض المتعلق بتاريخ نهاية صياغة الدستور وضبط تاريخ الانتخابات العامة القادمة وإعداد القانون الانتخابي،

– بروز النزعة التسلطية للحزب الحاكم وانتهاجه سياسة الهيمنة على مفاصل الدولة من خلال إجراءات دمج الإدارة بالحزب الحاكم والسيطرة على الإعلام وإخضاع جهازي القضاء والأمن لإرادته.

– تنامي ظاهرة العنف المادي والمعنوي على أيادي مجموعات متطرفة متسترة بالدين تسعى إلى تخويف وترويع وتعنيف المنتقدين والمعارضين والمحتجين والمتظاهرين والضغط على المبدعين والفنانين وتعمل على فرض إرادتها بالقوة متحدية القانون والدولة والمؤسسة الأمنية والقضائية وبتواطؤ واضح مع الحزب الحاكم في إطار سياسة ممنهجة لإضعاف مؤسسات الدولة وإرباك أداء المؤسستين الأمنية والقضائية وتوظيفهما لإغراض حزبية وإجهاض محاولات تأسيس أمن جمهوري.

وفي النهاية أدت كل هذه العوامل مجمعة إلى سقوط حكومة الترويكا الأولى واستبدالها بثانية بغرض امتصاص غضب الشعب اثر اغتيال الشهيد شكري بلعيد لكنها حافظت على نفس مواصفات المحاصصة والإقصاء ما يجعلها مرشحة لنفس المصير لإفتقادها كذلك لبرنامج  جدي كفيل باخراج البلاد من الأزمة الخانقة التي تتخبط فيها.

ولمواجهة الأزمة الشاملة التي تمر بها البلاد بادرت قوى وطنية وديمقراطية وتقدمية منها حزب القطب بتأسيس إئتلاف مدني وسياسي يدعو الى عقد مؤتمر حوار للإنقاذ الوطني يحتضنه كل من الإتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية لحقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين في إطار شرعية توافقية لا تستثني أي طرف داخل المجلس التأسيسي أوخارجه وتنبثق عنه خارطة الطريق ذات الملامح التالية بدءا بالتحقيق الجدي في ملابسات اغتيال المناضل الشهيد شكر بلعيد والكشف عن المتورطين أمرا وتخطيطا وتنفيذا وإيقافهم ومحاكمتهم، هذه المبادرة من شأنها توفيرالمناخ الملائم لتأمين استكمال المرحلة الإنتقالية :

على المستوى السياسي : ضبط تاريخ  للإنتهاء من صياغة دستور يكرس مقومات الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة ووضع قانون انتخابي وقانون العدالة الإنتقالية  وبعث الهيئات التعديلية وتحديد موعد الإنتخابات القادمة  والتصدي للعنف بحل “رابطات حماية الثورة” وجميع الميليشيات والمجموعات المتبنية للعنف والتصدي لظاهرة تهريب الأسلحة وتفكيك المجموعات القائمة عليها وتفعيل القوانين ذات الصلة وتجريم التكفير والتحريض على العنف وتحييد دور العبادة عن الدعاية السياسية والحزبية والتحييد الفعلي لوزارات السيادة ومراجعة التعيينات وبعث هيئة وطنية مستقلة تعنى بضمان تحييد الإدارة.

على المستوى الإجتماعي والإقتصادي والثقافي : تجميد أسعار المواد والخدمات الأساسية ومقاومة التهريب والتجارة الموازية ودفع الإنتاج الوطني بتوفير الحماية الأمنية وحذف فوائض ديون  الفلاحين والحرفيين وإعادة جدولتها وإيقاف نزيف التفويت في المؤسسات العمومية والثروات الوطنية وتكوين لجنة تدقيق في الديون وكيفية التعامل معها وحماية القطاع الثقافي من التهميش الممنهج والتوظيف السياسي وتوفير الإطار القانوني لمؤسساته وتشريك كل مكونات المجتمع المدني في دعم نشاطه.

زمن الجبهات

اتجه المشهد السياسي التونسي نحو استقـطاب ثنـائي جديد تبلورت عناصره بين حركتي النهـضة ونـداء تونسالتين تضـعهما آخر استطـلاعات الرأي في صـدارة الترتـيب حيث يستأثر كل منهـما بحوالي ثلث نوايا التصويت.

هذا الإستقطاب يحمل رسالة إلى الرأي العام التونسي مفادها أن خيار الناخبين خلال المواعيد الإنتخابية القادمة سينحصر بين هذين الطرفين ضمانا لإرساء آليات اللعبة الديمقراطية وتقاليد التداول السلمي على السلطة وأن في ذلك توضيح للمشهد السياسي التونسي وتبسيط له بعد ما عرفه من تشتت وضبابية بسبب تفاقم عدد الأحزاب والقوائم عشية انتخابات المجلس التأسيسي التي آلت في الأخير إلى إدارة كارثية للمرحلة الإنتقالية الثانية من قبل ائتلاف حكومي متغطرس وتعوزه الكفاءة.

إن موضوع الهوية والخيار المجتمعي لا يزال يشكل كما بالأمس أي عشية انتخابات المجلس الوطني التأسيسي الرهان الأساسي والشعار التعبوي المفضل بالنسبة إلى الحركتين الرئيسيتين مقابل إهمال البعدين الإجتماعي والإقتصادي المستعصيين عليهما بالنسبة الى الأغلبية الساحقة لأنصارهما.

فحركة النهضة تسعى وفية لخطها العقائدي الدعوي إلى تقويض مقومات الدولة المدنية ومحو الخصوصية التونسية وأسلمة المجتمع وفق النموذج الوهابي وهي تراهن في ذلك على توظيف المشاعر الدينية للفئات الشعبية الفقيرة والهشة والمهمشة واستغلال شبكة واسعة من الجمعيات الخيرية والدعوية المدعومة بالمال الأجنبي فضلا عن سند الميليشيات والجماعات السلفية عند الحاجة. كما تحرص على الهيمنة على مفاصل الدولة مستغلة في ذلك إلى أقصى حد موقعها المركزي المهيمن في الترويكا الحاكمة ويناور نوابها بالمجلس التأسيسي لغاية إدراج الأحكام الدستورية الكفيلة بوضع دعائم الدولة الدينية التي تصبو إليها.

وفي المقابل وكردة فعل على المشروع النهضوي برزت حركة نداء تونس على الساحة السياسية تحت شعار الدفاع عن الذاتية التونسية والمذهب المالكي الوسطي المعتدل وعن الصيغة البورقيبية للمشروع الحداثي التونسي مدعومة من شرائح واسعة من الطبقتين الوسطى والعليا و من جزء كبير من النخب اليبرالية والقوى السياسية والإجتماعية الوسطية وعدد متزايد من القواعد والإطارات الدستورية الوفية للإرث البورقيبي.

غير أن وراء أوجه التباين الإجتماعي والتجاذب الإيديولوجي والسياسي بين القطبين هناك قاسم مشترك استراتيجي بينهما يتمثل في النهج الإقتصادي الليبرالي الذي يفترض تقليص دور الدولة التعديلي والإستثماري ومنح القطاع الخاص الدور الرئيسي في الحركة الإقتصادية وفرض سياسات جبائية مجحفة تدمرالقدرة الشرائية للطبقات الشعبية وتكرس التمييز الطبقي والجهوي والإقصاء الإجتماعي .

فيما تمكنت مجموعة من الفصائل التقدمية من كسرهذا الإستقطاب الثنائي من خلال تأسيسها لكيان سياسي تحت عنوان الجبهة الشعبية دخلت الساحة كبديل سياسي وانتخابي للطرفين المذكورين يستأثر اليوم بنسبة من نوايا التصويت تتيح لها فرصة جدية للإضطلاع بدورالحكم في الإنتخابات المقبلة لا سيما أنها نجحت الى حد ما في إحداث ديناميكية اجتماعية وسياسية جديدة في البلاد بفضل انغراسها في الأوساط الريفية والشبابية والنقابية وتعبيرها عن المطالب الإقتصادية والإجتماعية الملحة للجماهير الشعبية.

وفي هذا السياق يعمل حزب القطب على أن يكون قوة اقتراح و جسر رابط بين القوى المدنية والسياسية التقدمية والديمقراطية. ومن هذا المنطلق فبقدرما نثمن وجود جبهة سياسية استراتيجية تشمل القوى التقدمية بمختلف مراجعها الفكرية على أساس أرضية سياسية وخطة تعبئة تستجيب فعلا لإستحقاقات الثورة بقدرما نلح على ضرورة إيجاد صيغ تنظيمية أفقية تؤسس لمجالس مواطنية وجبهات نضالية مجددة وتسعى الى بناء تحالفات انتخابية  ظرفية متحركة تأخذ بعين الإعتبار موازين القوى بكل دقة ووفق ما تحدده أحكام المجلة الإنتخابية بما يضمن أوفر حظوظ النجاح في الإنتخابات المقبلة وحسب سلم الأولويات وهو شرط ارتقاء اليسار التونسي من موقع الإحتجاج والمعارضة الى موقع الإقتراح والحكم.

لنستخلص إذاً الدروس من نكسة 23 أكتوبر 2011  ….

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s